ابن عجيبة
163
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يبتليهم اللّه تعالى بتسليط الخلق عليهم وأنواع من البلايا ، فإذا نقوا من البقايا ، وتكلمت فيهم المزايا ، أظهرهم للخلق داعين إلى اللّه ومرشدين إلى طريق اللّه ، وقد تبقى الإمامة في ذريتهم إن ساروا على هديهم ، ومن لم يسلك به هذا المسلك فلا يصلح للإمامة ، وإن توجه إليها كان ناقصا في الدعوة ، ولذلك قال بعضهم : ( من ادعى شهود الجمال قبل تأدبه بالجلال ، فارفضه فإنه دجال ) . ه . وكل من اتصف بشئ من ظلم العباد لا ينال عهد الإمامة في طريق الإرشاد ، وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم ذكر شرف البيت الذي هو المقصود ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 125 ] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) قلت : ( المثابة ) : المرجع الذي يثوب الناس إليه كل سنة ، و ( اتخذوا ) : على قراءة الأمر ، محكى بقول محذوف ، أي : وقلنا اتخذوا ، وعلى قراءة الماضي : معطوف على ( جعلنا ) ، أي : جعلناه مثابة ، واتخذه الناس مصلّى . يقول الحق جل جلاله : ( و ) اذكر يا محمد إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ الحرام ، أي : الكعبة ، مرجعا للناس يرجعون لزيارته والطواف به كل سنة ، وجعلناه محل أمن ، كل من دخله كان آمنا من عقوبة الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فإنّ الناس يتخطفون من حوله ، وأهله آمنون ، وأما في الآخرة فلأن الحج يجبّ ما قبله ، وهذا يدل على شرف البيت وحرمته . وقلنا لهم : اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ ، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه ، مُصَلًّى تصلون إليه ، وهو الذي يصلون خلفه ركعتي الطواف ، وَعَهِدْنا أي : أوحينا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ ولده ، بأن قلنا لهما : طَهِّرا بَيْتِيَ من الأدناس والأرجاس والأصنام والأوثان ، لِلطَّائِفِينَ به وَالْعاكِفِينَ أي : المقيمين فيه ، والمصلين فيه الراكعين الساجدين . فكان البيت مطهرا في زمانهما وبعدهما زمانا ، ثم أدخلت فيه [ الأصنام ] « 1 » فطهره نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتبقى طهارته حتى يأتي أمر اللّه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : القلب هو بيت الرب ، يقول اللّه تبارك وتعالى لبعض أنبيائه : « طهر لي بيتا أسكنه ، فقال : يا رب أي بيت يسعك ؟ فقال له : لن تسعني أرضى ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » . فإذا تطهر القلب من الأغيار
--> ( 1 ) ما بين المعكوفتين زيادة ليست في الأصول .